الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
466
تبصرة الفقهاء
هناك جهة موجبة وأخرى مرجّحة لا يقع الفعل واجبا ولا مندوبا من دون تعيين أحد الوجهين ؛ إذ انصرافه إلى أحدهما ترجيح من غير مرجّح ، وأيضا مع قصد مطلق القربة من دون تعيين « 1 » الجهتين لا يكون امتثالا لشيء من الطلبين ، وليس القدر المشترك بين الحكمين تكليفا واردا من الشرع ، فيكون ذلك امتثالا له . ويدفع الأوّل أنّه مع حصول جهة الوجوب يقع واجبا في الواقع وإن لم يكن بملاحظة الغاية المتداولة واجبا ، وعدم ملاحظة الغاية الواجبة لا يخرجه عن الوجوب . ألا ترى أنّ سائر الواجبات النفسيّة من غير العبادات لو أتى بها المكلّف لا من جهة امتثال الأمر قد أتى بالواجب واتّصف به « 2 » فعله بالوجوب وإن لم يكن ممتثلا لإطلاق متعلّق الأمر بالنسبة إليها ، إذ ليس المأمور به فيها إلّا الإتيان بالفعل لا خصوص الاتيان به مقيّدا بقصد الامتثال كما في العبادات ؛ إذ لا دليل على ذلك التقييد . والقول بانصراف الأمر عرفا إلى ذلك في حيّز المنع ، بل واضح الفساد ، وإلّا لما كان فرق بين العبادة وغيرها أو كان الأصل في جميع التكاليف الشرعيّة وغيرها أن تكون عبادات مشروطة بقصد الامتثال إلّا ما خرج بالدليل ومن الظاهر خلافه . وما قد يتخيّل من أنّها المقدّمة لو كانت واجبة مع خلوّها عن قصد التوصّل بها إلى ذيها يصحّ إذن قصد التقرّب بها كما هو الشأن في سائر الواجبات بل الرجحان « 3 » وفساده كاشف عن بعد وجوبها الغيري بما إذا لوحظ الوصلة بها إلى الواجب ، مدفوع بأنّه لا شبهة في تقييد إيجاب المقدّمة بملاحظة ذيها ، فوجوبها أيضا إنّما يكون بتلك الملاحظة ، لكن ملاحظة الأمر ذلك في إيجابها لا يقتضي تقييد فعل الفاعل بذلك ليكون الواجب عليه إيقاعها على ذلك الوجه ؛ إذ لا
--> ( 1 ) الزيادة من ( ب ) : « أحد الوجهين إذ انصرافه إلى » ، وفي ( د ) زيادة على ذلك : « أحدهما ترجيح من غير مرجّح وأيضا مع قصد مطلق القربة من دون تعيين إحدى » . ( 2 ) لم ترد في ( د ) : « به » . ( 3 ) في ( د ) : « الراجحات » .